الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

258

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

الإرادة ومرحلة الإيجاد ، وهي التي عبرت عنه الآية بشكل أمر في جملة " كن " . بعض المفسرين القدماء توهموا أن المعنى يشير إلى وجود قول ولفظ في عملية الإيجاد والخلق ، واعتبروا ذلك من أسرار الخلق غير المعروفة ، والظاهر أنهم وقعوا في عقدة اللفظ ، وبقوا بعيدين عن المعنى ، وقاسوا أعمال الله على مقاييسهم البشرية . وما أجمل ما قاله أمير المؤمنين عليه أفضل الصلاة والسلام في واحدة من خطبه التي أوردت في نهج البلاغة : " يقول لما أراد لما كونه كن فيكون ( 1 ) لا بصوت يقرع ، ولا بنداء يسمع ، وإنما كلامه سبحانه فعل منه أنشأه ، ومثله لم يكن من قبل ذلك كائنا ، ولو كان قدميا لكان ثانيا " ( 2 ) . ناهيك عن أننا لو افترضنا وجود لفظ أو قول في عملية الخلق فسنواجه إشكالين أساسيين : الأول : أن ( اللفظ ) بحد ذاته مخلوق من مخلوقات الله ولأجل إيجاده يحتاج سبحانه إلى " كن " أخرى ، ونفس الكلام ينطبق على " كن " الثانية بحيث نصبح في عملية تسلسل غير منتهية . الثاني : أن كل خطاب يحتاج إلى مخاطب ، وفي الوقت الذي لم يوجد فيه شئ حينذاك فكيف يخاطبه الله سبحانه وتعالى بالقول " كن " ، فهل أن المعدوم يمكن مخاطبته ؟ ! وقد ورد في آيات أخرى من القرآن الكريم نفس هذا المعنى بتعبيرات أخرى ، كما في الآية ( 117 ) من سورة البقرة : وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ، وكذا في الآية ( 40 ) من سورة النحل : إنما قولنا لشئ إذا أردناه أن

--> 1 - ورد في بعض النسخ " لمن أراد " ويبدو أن الأنسب هو النص الذي أوردناه " لما أراد " . 2 - نهج البلاغة ، خطبة 186 .